اسماعيل بن محمد القونوي

263

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الشيء ومصادفته معا ممتنع في شأنه تعالى فأول أهل السنة بالرؤية بلا كيف وإليه أشار المص بقوله لقاء اللّه وأول المعتزلة بلقاء ثوابه تعالى ومنهم الزمخشري فرده المص بقوله لقاء اللّه تعالى . قوله : ( ونيل ما عنده ) من الثواب هذا تفسير وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ [ البقرة : 46 ] وحمل الرجوع على الرجوع إلى الثواب لا على الحشر والنشور فإنه متيقن ولا إلى الجزاء مطلقا لأنه أيضا مقطوع به يجب فيه اليقين وأما الرؤية والجزاء الخاص فهو مظنون مرجو ولما حمل الظن على معناه وهو الحكم الراجح فحمل اللقاء والرجوع إليه تعالى على الأمر المظنون ولا يصح أن يجعل نيل ما عنده عطف تفسير للقاء اللّه لأنه يوهم عدم جواز الرؤية عند أهل السنة وأيضا يلزم أن لا يتعرض إلى تفسير وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ [ البقرة : 46 ] . قوله : ( أو يتيقنون أنهم يحشرون إلى اللّه فيجازيهم ويؤيده أن في مصحف ابن مسعود يعلمون ) فالظن بمعنى التصديق اليقيني إن أريد باللقاء مطلق لقاء الجزاء فحينئذ يكون لأن حصول الثواب مظنون والجزاء متيقن وفسره بالرؤية في سورة يونس في قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا [ يونس : 15 ] وكذا في سورة الكهف في قوله تعالى : فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ [ الكهف : 110 ] وفسره بالعلم المحقق الذي كأنه المعاينة والمشاهدة قيل في الآية اشكال وهو أن الظن عبارة عن اعتقاد راجح مع تجويز النقيض وهو يقتضي أن لا يكون صاحبه جازما بلقاء اللّه ومن لا يكون جازما بلقاء اللّه لا يكون جازما بيوم القيامة وهو كفر واللّه تعالى قد مدح على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز وكان الزمخشري أول لقاء اللّه بلقاء ثوابه حتى يندفع هذا السؤال لأنه لا يلزم من عدم الجزم بحصول الثواب عدم الجرم بالقيامة ولعله غفل عن عطف قوله : وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ [ البقرة : 46 ] عليه فإن الرجوع إلى اللّه تعالى فسره فيما تقدم إما بالنشور أو بالمصير إلى الجزاء وعدم الجزاء بشيء منهما كفر ولا مخلص عن هذا الإشكال إلا بتفسير الظن بالعلم لكن الزمخشري لم يفسره ههنا بل فسره بالتوقع المنبىء عن الظن فالإشكال لازم على تفسيره قال الفاضل أكمل الدين إنما ينهض هذا الاشكال إن كان الظن على حقيقته وأما على ذكره من أن المراد به التوقع وبلقاء الرب لقاء ثوابه وأن المراد به اليقين وباللقاء لقاء الجزاء فهو ساقط ثم قال وعلى هذا ظهر فساد ما قال بعضهم لا مخلص عن هذا الاشكال إلا بتفسير الظن بالعلم لأن ذلك التفسير أحد المخلصين وهو أن يقدر لقاء الجزاء دون الثواب فالحصر غير مستقيم قال بعض الشارحين للكشاف قوله يتوقعون لقاء ثوابه مذهبه كأنه يريد أن اللقاء بمعنى الرؤية ومذهبه أن الرب لا يرى فيحتاج إلى تقدير مضاف وهو ليس بصحيح لما ذكر من أن اللقاء لا يستلزم الرؤية على مذهبه قال التفتازاني لا نزاع في امتناع ملاقاة اللّه على الحقيقة لكن القائلين بجواز الرؤية يجعلون ملاقاة اللّه مجازا عن الرؤية حيث لا مانع كما في حق الكفار والمنافقين وأما من لم يجوز الرؤية فتفسيرها بما يناسب المقام كلقاء الثواب خاصة أو الجزاء مطلقا أو العلم المحقق الشبيه بالمشاهدة والمعاينة فإن حمل الظن على التوقع والطمع فمعنى ملاقاته لقاء الثواب ونيل ما عند اللّه من الكرامة لظهور أن لا قطع بذلك وإن حمل على التيقن أو قرأ يعلمون بدل يظنون فمعناه ملاقاة الجزاء فإن هذا ينبغي أن يكون مقطوعا به عند المؤمن لأن التردد في يوم الجزاء كفر لا يصلح أن يذكر في معرض المدح كما في هذا المقام .